علي بن عبد الكافي السبكي

544

فتاوى السبكي

الاجتهاد في الفتوى فالقاضي أبدا لا بد أن يكون تابعا لفتوى إمامه إن كان مجتهدا وإما من غيره إن كان مقلدا ووضع القضاء إنما هو الفصل والإلزام فمن قال إن المفتي يهذي مع اعتقاده أن فتواه صواب فيما أخبر به عن الله تعالى فهو كافر فينبغي للإنسان أن يتثبت في إطلاق هذه العبارة فإن كثيرا من الناس يطلقونها ولا يفهمون ما تحتها مما ذكرناه وإنما يقصدون أن القضاء إلزام والفتوى ليست بإلزام ولا يجب على المستفتى والقاضي أن يسمع منها وهذا أيضا خطأ إنما لم يجب ذلك إذا كان عنده شيء من العلم راجح عليها وإلا فلا يجوز له الخروج عنها لأنها إخبار عن الله تعالى وقد يتصور الاختلاف بين القاضي والمفتي باعتبار تحرير صورة المسألة أو حصول أسبابها فإن القاضي يفحص ويستكشف من أسباب الحكم ما لا يستكشفه المفتي لكن هذا ليس باختلاف ولا يقتضي تعارضا بين الفتوى والحكم في واقعة واحدة والله أعلم وإن فرض أن المفتي جاهل أو أخطأ أو نحو ذلك فليس الكلام فيه فإن القاضي أيضا قد يكون كذلك وإنما الكلام في قاض حقا والله أعلم انتهى . * ( مسألة ) * قوله صلى الله عليه وسلم ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء من رجل أصدق لهجة من أبي ذر وربما يقال من ذي لهجة أصدق من أبي ذر قد يقال إن الصدق كيف يقبل التفاوت فإنا لا نشك أن أبا بكر وعمر صادقان دائما وليس الصدق كالقراءة والعلم حتى نقول إنهم يتفاوتون فيها فقد يختص المفضول بزيادة لا تكون في الفاضل أما الصدق فالرجلان اللذان لا يكذبان لا يتفاوتان . * ( فالجواب ) * أن التفاوت قد يكون في القوة التي ينشأ عنها صدق اللسان وتلك القوة تقبل التفاوت وهي غريزة جعلها الله في القلب أو في بعض الأعضاء ثم يورد أن القوة التي في القلب الظاهر أنها في أبي بكر وعمر أكمل ويبعد أن يفضل غيرهما عليهما فيها ويجب أن تتأمل لفظ الحديث بأنه لم يقل من رجل أصدق من أبي ذر بل قال أصدق لهجة فجعل الصدق صفة اللهجة لا صفة الرجل واللهجة اللسان كما قال الجوهري وإن صح قوله أصدق فأصدق في هذا التركيب يحتمل أن يكون صفة لذي وأن يكون صفة للهجة فيجعل صفة لها لتطابق اللفظ الأول